صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

125

تفسير القرآن الكريم

وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً [ 7 / 145 ] وقال تعالى تشريفا لنبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ 53 / 10 ] انظر وتدبر كيف قال : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ 58 / 22 ] فشتان بين نبي تشرّف بكتابة الموعظة له في الألواح وبين نبي تشرف أمته بكتابة الايمان لهم في قلوبهم . وتاسعها : إن من خصائص انزال القرآن بما هو كلام اللّه إنّه متى نزل على قلب أحد صار خاشعا متصدعا من خشية اللّه لقوله سبحانه : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ 59 / 21 ] ولما نزل على قلب الرسول صار قلبه خاشعا خاضعا من خشية اللّه ، حتى قال كما هو المروي عنه : « أنا أعلمكم باللّه وأخشاكم منه » « 1 » وأما انزال الكتب فليس من لوازمه الخضوع والخشوع والتخلق بأخلاق اللّه ، ولذا قيل لو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السّلام لا في الألواح ، لعله ما ألقى الألواح في حال الغضب ، وما احتاج إلى صحبة خضر عليه السّلام ، لتعلمه العلم كما حكى اللّه تعالى عنه بقوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً [ 18 / 66 - 67 ] . قوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 25 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 ) « الفصل » هو ما يميز به الشيء عن غيره بحسب تجوهر ذاته وقوام حقيقته ، وكثيرا ما يطلق الفصل على مبدئه القريب ، كالنفس الحيوانية للحساس ، والنفس الناطقة للناطق ، فإنهما مبدءان قريبان لهذين الفصلين المنطقيين المحمولين بوجه ، وبوجه آخر هما عين هذين إذا أخذ كل منهما لا بشرط شيء من التقييد والإطلاق ،

--> ( 1 ) في البخاري : 8 / 31 . والمسند : 2 / 45 و 181 بلفظ : لأنا أعلمهم باللّه عز وجل ، وأشدهم له خشية .